بحث

الرحلة إلى الداخل


الاتصال بطاقاتك الداخلية هو رحلة داخلية نحو روحك الجوهرية. إذا اتصلت بتلك الطاقات سترى أن كل ما يعترض حياتك من صعوبات وتحديات قابل للحل، وأنك على ثقة وقدرة على تجاوزها. هذه الرحلة إلى الداخل تتطلب بعض الشروط أهمها أن تكون على استعداد على التغير والتحول في نظرتك إلى نفسك وذاتك، وإلى الآخرين، وإلى العالم من حولك.


الأفكار


سنبدأ بأول مظهر واضح للرحلة نحو الداخل هو أفكارنا. نحن كبشر نتصور أننا "نحن" أفكارنا. هذا التصور والاعتقاد هو برمجة سابقة لنا حدثت ضمن ظروف التنشئة لنا. حين نبدأ بالنظر إلى العقل، الذي هو في الحقيقة ليس سوى أفكار، فإننا نجد أفكارا، وأن هذه الأفكار تتحرك بداخل العقل. والافتراض هنا هو أنك أنت هو أفكارك، وبشكل ما فإن أفكارك تخبرك عن نفسك. ولكن عندما نبدأ بتحري هذه المقولة وتحليلها ستلاحظ جانبين:


الأول: أن هناك الأفكار

والثاني: أن هناك وعي بهذه الأفكار


يوجد إدراك لهذه الأفكار موجود قبل الأفكار نفسها. وعينا بالأفكار موجود وراء أي فكرة. هناك طاقة ما تلاحظ تلك الأفكار حين تولد. هناك "مراقب" أو "مُشاهد" أو "واعٍ" أو مُدرك" لهذه الأفكار، موجود وراء العقل.


الأحاسيس أو المشاعر


الأمر الذي ينطبق على الأفكار ينطبق كذلك على أحاسيسنا ومشاعرنا، والمرتبطة بالجسد. مادام لديك جسد إنساني فإنه يجب أن يكون لديك مشاعر وأحاسيس. هناك مشاعر تشعر بها الآن في جسدك في هذه اللحظة والآن. يمكن لك أن تنتبه للعديد من الأحاسيس المختلفة، وفي أجزاء مختلفة من جسدك. لقد تم تعليمنا وبرمجتنا بأن نتعرف على أنفسنا من خلال أحاسيسنا ومشاعرنا، فمثلاً عندما تصاب بالغضب تقول أنا غاضب، كما لو كنت أنت والغضب شيء واحد. حين تكون في لحظة سعادة تقول أنا سعيد، وإذا شعرت بالحزن تقول أنا حزين، كما لو كنت أنت والحزن شيء واحد. هكذا نرى أننا نربط أنفسنا بمثل هذه الأحاسيس أو المشاعر.

وتماماً كما هو الحال مع الأفكار، فإننا وبالرغم من شعورنا بالأحاسيس والمشاعر فإن هناك "وعي" أو إدراك لهذه المشاعر. هذه الأحاسيس تحدث وهناك وعي يكمن خلفها ويدركها. الأحاسيس تأتي وتذهب، لكن الوعي بها يبقى هو هو، بل يمكنك أن تجلس وتتأملها وأنت واعٍ بها.

إذن المشاعر والأحاسيس تظهر لنا وليست نحن. أنت لست غاضباً دائما، ولكنك تمر بحالات غضب. أنت لست حزيناً، ولكنك تمر بحالات حزن أو فرح.


الشخصية


الآن، هناك سؤال أكثر تشويقا: هل أنت شخصيتك؟

لننظر إلى ما نعنيه بالشخصية هنا. كل شخص لديه شخصية. السؤال: هل أنت شخصيتك؟

يمكن أن نُعرِّف الشخصية بـ "الأنا" أو الإيغو Ego . الشخصية أمر لابد منه في حياتنا ومع ذلك هي أيضاً قناع نلبسه. وللأسف فإن الكثير من الناس يرون أنفسهم أنهم هم القناع الذي يرتدونه. إنهم يعتقدون أنهم هم شخصياتهم. ولكن عندما نبدأ بالنظر إلى الشخصية وأن لها علاقة بالعقل والجسد والبرمجة المعرفية من الأسرة والمدرسة والمجتمع فسنشعر ونعي بهذه الشخصية وبالتالي هي ليست نحن كجوهر أو روح.

عندها تستطيع أن تقول أنا واعٍ بشخصيتي ستدرك أن الشخصية شيء نظهر به في بيئتنا أو مع من حولنا. وهنا نستطيع أن نقول كذلك، إن الوعي بالشخصية يوجد قبل الشخصية.

من خلال التأمل والتجربة تستطيع أنت أن تنظر إلى شخصيتك، تستطيع أن تنظر إلى "أناك"، وإذا فكرت بعمق ستدرك أنك لست هذه الشخصية.

لننظر إلى معنى كلمة الشخصية أو الشخص في المعجم. ففي اللغة العربية لها عدة معانٍ، ومنها "شَخَصَ"، أي بَرَزَ. وشَخَصَ فلان أي بدا من بعيد، وشَخَّصَ أي ميّز وحَدّد.

هنا نجد أن الشخصية هي ما يَبرُز، أو ما يظهر من الإنسان.

أما في الإنجليزية فإن Person و Personality تأتي من Persona في اللغة الإغريقية. وفي تراث المسرح الإغريقي القديم، يقوم الممثل بتمثيل الشخصية أو الـ Persona، كما تعني الكلمة كذلك القناع الذي يضعونه على وجوههم. فمثلا يمكن للممثل أو يلبس أو يمثل دور الملك أو الوزير أو غيره. ولكنه في الحقيقة يقوم بتمثيل شخصية أخرى ليست شخصيته الأصلية، هو يقوم بأداء دوره وسينتهي هذا الدور بانتهاء المسرحية.

لقد تم تعليمنا أن شخصيتنا تُحدِّد من نحن. ولكن هذا مشابه لمن يضع قناعاً على وجهه الحقيقي، معتقداً أنه هو القناع. إذا كنت مديراً أو وزيراً أو حتى ملك فإنك حين تعود من عملك، أنت لا تجلس مع أهلك كمدير أو وزير أو ملك، بل كأي إنسان آخر.

لكل إنسان شخصية في المجتمع، ونحن لا ننكر ذلك، أو نعتبرها شيئا سيئاً. الشخصية شيء ضروري، ولكنها في الحقيقة مظهر خارجي، أو واجهة، أو قناع كما في المسرح. ذلك الإنسان حين تنتهي فترته كوزير، سيعود ليصبح شخصاً عادياً في المجتمع، لأن وظيفته انتهت كوزير.

أين ذهبت شخصيته السابقة؟ ببساطة اختفت.


نكرر، نحن هنا لسنا ضد وجود الشخصية أو Personality أو الأنا أو الإيغو Ego، ولكن نشير فقط حتى نكون مدركين أننا في الجوهر الروح التي تقف خلف هذه الشخصية، والواعية بها، والتي تستطيع تحريكها وفق القيم الإنسانية النبيلة. إن لم نكن على مثل هذا الوعي فإن التماهي في شخصياتنا يسلب منّا إنسانيتنا وجوهرنا.

الأفكار والمشاعر والمعتقدات والشخصية تتغير حسب الظروف، وحسب العمر ودرجة المعرفة والدراسة والوظيفة وغيرها، إلا أن طبيعتنا الحقيقية كوعي لا تتغير أبداً. منذ أن يبدأ علقنا بإدراك وعينا وحتى نموت، فإن هذا الوعي هو ذاته.

0 عرض

 All Rights Reserved - Khalid Albudoor جميع الحقوق محفوظة - خالد البدور