بحث

ماذا تفعل بنا أفكارنا؟ (1)

نحن دوماً غير واعين كيف تعمل الأفكار بداخل عقولنا، وكيف تتدخل في أسلوب تصرفاتنا وأفعالنا. كثيراً ما (نضيع) بين حشود أفكارنا. إن طبيعة عقلنا أنه يتقدم ليقودنا، في أحايين كثيرة، بشكل لا نكون فيه واعين لذلك، ولا إلى نتائج هذه القيادة فيما نقوم به من أعمال. بعض هذه الأفكار قد تكون مغرية جداً وتبدو حقيقية جداً. حين نكون بداخل (بالون) الأفكار الكبير نحن نفقد اتصالنا باللحظة الحاضرة، كما تقول المعلمة أندريا فيلا. نورد هنا بعضاً مما تطرحه حول كيفية عمل الأفكار.

سأخبركم عن تجربة شخصية لي مع طريقة التفكير التي اتحدث عنها هنا. قبل أكثر عشرة سنوات حدث تغيير إداري شامل في المؤسسة التي كنت أعمل بها، الأمر الذي أدى إلى طلب الإدارة العليا مني بتغيير منصبي الإداري إلى وظيفة أخرى، أفقد فيها الكثير من الامتيازات والصلاحيات الإدارية.

تم تنفيذ القرار ولم يكن بوسعي فعل أي شيء. لم أستطع التوقف من التفكير المتواصل بما حدث. وعلى الرغم من أنني حاولت المضي قدماً، وعدم النظر إلى الوراء، بعد أن دخلت مرحلة جديدة في حياتي وانشغلت بالكثير من المشاريع الجديدة، إلا أنني لاحظت أن ذهني كان يعيد لي السيناريو القديم حين كنت في تلك الوظيفة.

كان عقلي يتحدث لي ويكرر أنه لم يتم تقدير جهودي السابقة، وأن هناك ظلم قد وقع ويجب فعل شيء بالمقابل. لاحظت بوضوح صعوبة الاقتناع أن الزمن يمكن أن يتغير، ويمكن أن تأتي ظروف خارجة عن الإرادة. كان يجب اتكيّف مع ما حدث واواصل العمل في مكان آخر.


نحن نجهل آلية عمل ذهننا


عمليات التفكير تعمل بقوة في داخلنا، ونحن لا نكون على وعي بكيفية تدخل ذهننا في تشكيل حياتنا. نحن لا نعرف الآلية التي يعمل بها العقل. من الممكن أن نقوم بتغير كل هذا، وأن نصبح على وعي بعملية التفكير هذه، الأمر الذي يؤدي إلى التغيير الايجابي في حياتنا.

هناك الكثير من الطرق ومن أهمها تمارين التأمل Meditation، وكذلك التأمل التام Mindfulness. هذه التمارين تساهم في تطوير قدرات نتخلص بها من سيطرة التفكير الدائم والسلبي. يساعدنا التأمل في وضع مسافة بيننا وبين عقلنا نتمكن من خلالها من معرفة طبيعة تلك الأفكار، وفائدتها أو عدم فائدتها لنا.

من خلال التأمل العميق، يمكن التقليل من الاثار النفسية التي تتركها فينا الظروف والأحداث من حولنا والتي تتحول إلى أفكار في عقلنا. من خلال تحويل الذهن نحو المراقبة والتأمل والتفكير بحكمة وتروي سنصل إلى إدراك ما يدور في رؤوسنا ونعي عمليات التفكير.

في الكثير من الأحيان يذهب تفكيرنا إلى الأفكار السلبية، مثل لوم الذات، وكره الظروف أو الأشخاص، والقلق المتواصل. نتصور، بشكل خاطئ، أننا من خلال هذه الأفكار نقوم بحماية أنفسنا، وأن هذا يساعدنا على الاحتمال.

إن نظامنا الجسدي مصمم ليحاول حماية نفسه، وعندما لا يجد الحلول يقوم الذهن بتوليد هذه الأفكار السلبية. يقوم عقلنا بخداع نفسه وخداعنا أحيانا، ودون أن نشعر أو نعي ذلك، ويعتبر أن تلك الأفكار السلبية والمؤلمة هي في مصلحتنا، وأنها يمكن أن تؤدي بنا إلى حياة أكثر اتزاناً وسلاماً وراحة.

ولكن في لحظات التفكير هذه نحن، في الحقيقة، نكون في دوامة وصراع وعدم ثبات وعدم توازن. قد نشعر أننا نتحكم في الأحداث، وقد نشعر بأننا في موقع قوة، ولكن هذا مجرد وهم ذهني. إن هذا هو الطريق الذي تعودنا عليه للتعامل مع الواقع، ونتصور أنه الطريق الوحيد لكي نعيش في سعادة وسلام. لكننا حين نكون في صراع فكري مع الأشياء والأشخاص نحن لا نعيش السلام والسعادة.

نعتقد، أحيانا، أننا كلما أمعنّا في التفكير في الأفكار السلبية، وقضينا وقتاً أطول في لوم الذات والظروف والآخرين والشعور بالشقاء والأسى فإن هذا هو الطريق للسعادة، هذا توهم خاطئ. هذا النمط من التفكير لا يؤدي إلا إلى الشعور بالنقص والفشل وضعف الثقة بالنفس.


السعادة هي الطريق


يقول المهاتما غاندي: ” لا يوجد طريق إلى السعادة، السعادة هي الطريق“.

هذا يعني أننا حين ننشغل بأفكار سلبية ومظلمة في لحظتنا الحاضرة فإنها ليست الطريق إلى الحياة الإيجابية والسعادة. علينا أن (نفحص) مضمون أفكارنا، وأن نكون على وعي بها.

ليس القصد هنا كبت أفكارنا السلبية والمؤلمة ومنعها وإبعادها، وإنما محاولة تأملها لإدراكها وفهمها فهمها. علينا التوقف أمام الأفكار التي تخبرنا أن علينا أن نكره بعض الأشخاص أو نتذمر ونحزن من بعض الظروف.

هذه ليست سوى عادة ذهنية، وهي ليست الطريق للحصول على السعادة أو على محبة الآخرين، كما أنها ليست الطريق نحو تغيير الظروف التي لا نرغب بهل.

قد نشعر بنوع من السعادة حين نرى أننا نتخلص مما لا نحبه. ولكن هذه السعادة لحظة عابرة. من الأفضل أن نبحث عن السعادة بمعزل عما نحبه وما لا نحبه.

هل كلامنا هذا واقعي وحقيقي؟

ترتبط هذه الأفكار أحيانا ببعض العبارات، وبطريقة تعبيرنا عنها، وبالكلمات التي نختارها. يمكن لنا أن نتأمل ما يقوله (خطابنا) أو (كلامنا) إلى أنفسنا، وإلى الآخرين ونختار الكلمات المناسبة، وليست السلبية والمؤلمة. علينا أن نسأل هل هذه الكلمات معبرة بالفعل عن أفكارنا، أو أن بها مبالغة وعدم دقة.

هل ما سأعلق به عن الأحداث أو الآخرين أو الظروف هو تعليق به فهم وحب وتعاون أم به تسرع وإساءة ورفض؟ هذا ما يمكن أن نسميه الخطاب الحكيم. أن نكون على وعي بما نقوله، وبنوعية الكلمات التي نختارها لنفسر الأمور والأشخاص من حولنا.

يقول الحكماء لنا أن علينا أن نمتنع عن القول السلبي والخاطئ والمؤلم والعنيف والكاذب أو غير الحقيقي. هذا الخطاب إذا لم ننتبه له، سيشكل أفكارنا، ويجعلنا نقع في الحكم الخاطئ وغير الصحيح كذلك.

ينبغي التأكد من أن ما سنقوله ونعلق به مناسب للوقت الذي نقوله فيه، لربما نحتاج أن ننتظر ونختار الوقت المناسب.

هل كلامنا هو حقيقي فعلا؟ هل هو إنساني؟ وهل هو ضروري أم لا؟


مرة أخرى، علينا تأمل أفكارنا والكلمات التي نختارها لنعبر بها عن تلك الأفكار. من خلال التأمل قد نكتشف أن أفكارنا ليست حقيقية، ويتدخل فيها التوهم والاعتقاد الخاطئ.

مثلاً قد نفكر في الحكم على أنفسنا وعلى الآخرين، والكثير من الأحكام عادة ما تعتمد على آراء وتصورات ليست بالضرورة حقيقية. مثلاً هناك حكم يطلقه البعض على نفسه نتيجة مجموعة تجارب غير ناجحة فيقول عن نفسه: أنا فاشل...

ولكن هل هذا صحيح؟

هل فعلاً هو فاشل؟ لربما لم ينجح في تنفيذ أمر ما، لسبب أو لآخر، هذا لا يعني أنه فاشل. هذا تعليق قام به عقله. وبدلاً من البحث عن السبب الحقيقي سارع في إطلاق مثل هذا الحكم على نفسه.

13 مشاهدة
  • Grey Facebook Icon
  • Twitter - Grey Circle
  • YouTube - Grey Circle
  • Instagram - Grey Circle

 All Rights Reserved - Khalid Albudoor جميع الحقوق محفوظة - خالد البدور