بحث

مشاعرنا... ماذا نفعل بها؟




بيت الضيافة


شعر: جلال الدين الرومي

ترجمة: خالد البدور


(هذا الإنسان بيت للضيافة

في كل صباح يصله زائر جديد

فرح، حزن، مصيبة،

لحظات وعي خاطفة،

تأتي كما لو كانت ضيفاً غير متوقع،

استقبلهم كلهم ورَفِّه عنهم.

حتى وإن كانوا مجموعة أحزان

يجتاحون بيتك بعنف ويفرغونه من محتوياته،

مع ذلك، عامِل كلَّ ضيفٍ بشهامةٍ

فقد يكون هدفه تنظيف المكان لك

من أجل متعة جديدة.

كل الأفكار السوداء، الهوان، والرغبة في الإيذاء

استقبل ذلك عند الباب وأنت تضحك

ادعهم للدخول.

كن ممتناً لأي شيءٍ يأتيك

لأن كل شيء مُرسلٌ لك

من عالم الما وراء.)


يتطلب التحول والتغير من العيش تحت سيطرة الأنانية والإيغو إلى العيش في السكينة الروحية التخلي عن كبت مشاعرنا وعواطفنا.

التخلي عن الكبت هو أول الطريق للشفاء من سيطرة المشاعر السلبية على حياتنا.


من خلال التخلي عن السيطرة على المشاعر نحن نتحرر من العذاب الذي ينتج عن التفكير المتواصل والهموم التي تترافق مع مشاغل حياتنا اليومية. فعندما يتعلق الأمر بالمشاعر والأحاسيس نحن نتصور دوما أن علينا التحكم بها والسيطرة عليها، وأن علينا التخلص منها. نحن نعتقد أنه إذا تحكمنا في مشاعرنا ستكون حياتنا أكثر استقراراً.


إن فكرة أن نكون منفتحين، وعلى استعداد لتقبل مشاعرنا، واستيعابها، فكرة غير مرغوبة، خاصة إذا كانت تلك المشاعر مؤلمة أو مزعجة. نحن نرفض ونتحاشى أن نستقبل تيار مشاعرنا، خاصة إذا كانت حياتنا مضطربة وبها الكثير من المشاكل والآلام.


معظم البشر لا يريدون إزالة الغطاء اللاصق من فوق الجرح، لأن منظر الجرح مؤلم، ونحن لا نريد أن نواجه أو حتى نعترف بآلامنا. لدينا مفهوم سائد وهو أنه لكي نجعل حياتنا مستقرة ونعيش في سلام يجب أن نكبت مشاعرنا أو ندفنها أو نهرب منها.


بعضنا من الممكن أن يدفن المشاعر من خلال الهروب إلى متابعة السوشال ميديا. البعض يلجأ إلى الرياضات العنيفة، وآخرون يمكن أن يكبتوا مشاعرهم من خلال الهروب الذهني وإغلاق كل نوافذ التنفيس. البعض قد يضع السماعات في أذنه ويرفع صوت الأغاني المليئة بالشكوى والحزن أو الأغاني الصاخبة، وذلك حتى يُسكت صوت المشاعر بداخله.

البعض ممن يعانون نفسيا يلجأون إلى الطبيب النفسي الذي لا يعرف سوى وصف المسكنات والمهدئات التي تُخدِّر المشاعر في اللاوعي وتخدر العواطف والأحاسيس.

نلاحظ مثلاً أن كل أغانينا العاطفية هي عن أن الحب مُعادل للشقاء، وأن العلاقات ليست سوى آلام وفراق وخيانات. معظم الروايات العاطفية، أو أفلام الحب تتغذى على قصص الآلام والجروح التي لا تندمل. كل هذه الوسائل مصادر تهييج للمشاعر السلبية، وتمتص منا الطاقة العالية التي يمكن أن يجلبها الحب في حياتنا.

وقد وصل الأمر إلى دروس التنمية الذاتية والتأمل واليوغا التي قد تتحول عند البعض إلى محاولة للهروب من مواجهة المصاعب من خلال إغلاق النوافذ واسكات صوت المشاعر.

المشكلة في كبت المشاعر أننا نهرب من أنفسنا، ونقطع علاقتنا بطاقة الحياة بداخلنا، لأن المشاعر محاولة ذواتنا للتعبير والتنفس.


يقول المعلم الروحي رامانا مهاريشي:"من يكبت مشاعره يشبه من يحمل حقيبته فوق رأسه وهو يجلس في رحلة قطار. الأمر الطبيعي أن تضع حقيبتك بجانبك وأنت تجلس في القطار".

هناك ثمن كبير ندفعه نفسيا عندما نرفض مشاعرنا وآلامنا وأحزاننا، ونتصور من خلال هروبنا منها أننا سنعيش السعادة والسلام.

يجب أن ننفتح على الحياة بكل أشكالها وآلامها. لا يمكن تفريغ أنفسنا من المشاعر لأننا بشر. نحن بشر ولنا قلوب تتألم وتفرح وتغضب وتحزن.

المشاعر رسائل من الداخل، وكذلك إشارات من الكون حتى نعود إلى الجانب الروحي فينا ونتصل به.

المشاعر طاقات بداخلنا، إذا احسنّا قراءة مضمونها ودلالاتها فقد تقودنا إلى النمو والوعي الروحي.

مشاعر الحزن أو الهموم أو الغضب أو غيرها في جوهرها ليست سيئة أو جيدة، هي فقط تعبير من داخلنا عمّا يمر بنا من تجارب في الحياة.

الوعي بالمشاعر يجعلنا نشعر بذواتنا من خلال الذهاب إلى جذور الشعور نفسه. نستطيع أن نكون على اتصال باللحظة الحاضرة ونحن تحت تأثير مثل تلك المشاعر.


ما يحدث أننا بمجرد أن نشعر بشعور كالحزن أو الغضب مثلاً، نُسارع إلى اسكات هذا الشعور أو إلى كبته والهرب منه. إن ذهننا ينسحب من انفسنا ويذهب بعيدا ويحاول أن يحلل ذلك الشعور ويفسره... لماذ أشعر بهذا الشعور الآن؟ من أين يأتي؟ ما هو السبب؟

باختصار نحن نحاول أن نُكِّون حول شعورنا (قصصاً) أو (حكايات)، ثم نصدقها ونكررها.

المشاعر أياً كان نوعها هي بحد ذاتها ليست شيئاً سيئاً أو جيداً كما قلنا، الذي يحدث أننا نضع عناوين لمشاعرنا ونؤلف قصص حولها.

مثلاً أقول أنا إنسان ناجح في عملي فلماذا أشعر بالحزن الآن؟ لا، لا يجب أن يكون شعوري هكذا؟ يجب أن أكون قوياً.

قوياً؟ قوياً ضد من؟ ضد نفسك؟


المشاعر تيار من الطاقة بداخلنا لأننا نتفاعل مع الحياة ونحيا مع آخرين من حولنا.

نحن نؤلف القصص عن مشاعرنا، ونطلق الأحكام على انفسنا ونندم على شعورنا بالحزن أو عدم الرضا أو عدم السعادة. بهذه الطريقة نبتعد عن الحياة. الألم كما الأمل جزء من الحياة.


يكمن الحل في أن نخصص وقتاً نكون فيه وحدنا مع أنفسنا، ونجلب هذه المشاعر في اللحظة الحاضرة ونلاحظها ونراقبها من خلال التأمل، دون الدخول في الميليودارما المرافقة لها.

المشاعر تعبير عن طاقات داخلية، ولكن من خلال خلق قصص حولها نحن نتصور أننا سيطرنا عليها. بخلق قصة حولها نحن في الحقيقة دفنا شوكة الألم في اللاوعي، ولا شك بأن هذه الشوكة، إذا لم نسارع إلى إخراجها، ستعود لتؤلمنا.


الرسالة الأساس التي تقف خلفها قصيدة (بيت الضيافة) لجلال الدين الرومي تقول أن على الإنسان تلقي كل ما تجلبه له الحياة، أكان ذلك في شكل جيد أو سيء، جميل أو قبيح.

علينا تقبُّل كل ما يحدث لنا أكان سلبياً أو إيجابياً بشكل واعٍ.

بهذا يحثّنا الشاعر أن نجعل أنفسنا منفتحين لأي شيء تعطينا إياه الحياة سواء في داخلنا أو في خارجنا. حين نتلقى هبات الحياة من حولنا يجب ألا نخاف أو نكره ما أتانا.

لربما في تقبلنا للأمور المؤلمة درس ما يجب أن نتعلمه.

المشاعر رسائل أو هبات من عالم الما وراء، عالم الغيب، عالم الأقدار.


يقسِّم علم النفس لدى فلاسفة الشرق الروحانيين الحالات التي تمر علينا إلى عدة حالات. وهي حالات ذهنية معتادة تظهر في حياتنا وتؤثر على توازننا النفسي والعاطفي. منها:

١- التعلق بالرغبات والاحتياجات الحسية والمادية، والتوق إلى التمتع بها وفي حال غيابها عن حياتنا نحن نشعر بالحزن والشقاء.

٢- الكره، أو المقت، وهو عدم الرغبة في بعض الأشياء أو الأشخاص أو الحالات النفسية. علينا التقبل وليس كره تلك الأشياء أو الآخرين أو حتى المصائب والكوراث.


في قصيدة بيت الضيافة، يُخبرنا الرومي بأن تجربة حياة الإنسان بأكملها لها قيمة كبيرة، ولا يمكن إلغاء أي شيء منها. جميع المشاعر لها سبب ونتيجة وفائدة بطريقة أو بأخرى، بل لعلها أحيانا ضرورية حتى ننبته لأمر ما نحن في غفلة منه.

للمشاعر التي نتمنى أن نتجنبها دوماً سبب ما في حياتنا. في بعض الأحيان نشعر بالبهجة، وفي أحيان أخرى بالحزن. هذا أمر طبيعي. إنها تتطلب فقط الوعي بها والانتباه لها.

تقبل وجودها بل واستقبلها، ورفِّه عنها كما يقول الشاعر.


كل شعور أو موقف مهما كان صعباً أو مؤلماً يخبرنا بحالة أخرى مختلفة من حالات وجودنا.

كل شيء يحدث لربما يكون بوابة إلى وعي جديد.

حين نستقبل ونتقبل هذه الحالات هذا يعني أننا نتقبل تجربة وجودنا في الحياة ونتفاعل معها.

في النهاية حياتنا ووجودنا هي مجموع هذه الحالات والأحداث.


وعلى الرغم من أن الرومي لا يقول ذلك صراحة، إلا أن قصيدته ترمز إلى حقيقة أن العواطف التي يتم قمعها تعود إلينا بشكل أكثر إيلاماً. عندما ننظر إلى الألم وجها لوجه ونعترف به، عندما نواجه لحظات ضعفنا وانكسارنا، نحن نبدأ بالخطوة الأولى للحل. عندما يتم الترحيب بالزائر، هذا يسمح لنا بالتعرف عليه ومعرفة سبب زيارته ومتى سيغادر.

تكشف قصيدة الرومي حقيقة أن حياة الإنسان تمر بكل الظروف. لهذا يجب الوعي بها وإلا فإن الظروف الصعبة يمكن أن تدمر حياتنا دون أن نعي ذلك.


تتوافق القصيدة مع مفهوم كارل يونغ عن الظلال أو المشاعر المؤلمة والمحزنة. عندما يتم تجاهل المشاعر وقمعها وتخزينها في اللاوعي، فإنها ستستمر في التأثير المؤلم في حياتنا. ستظل مثل هذه الشماعر تطلب منّا أن نعترف بها على الرغم من محاولاتنا الدائمة لقمعها.

وعلى العكس، حين نعترف بهذه الجوانب في ذواتنا والتي نقمعها ونرفضها، ونقوم بكشفها والتعرف عليها من خلال الوعي، نكون نحن حقيقيين وواقعين ومتوافقين مع أنفسنا.


كيف نتعامل مع مشاعرنا، خاصة المؤلمة منها؟


أولا: علينا أن نعترف لأنفسنا أن هذا الشعور موجود، وألا نهرب منه أو نتشاغل عنه بأشياء أخرى. في وقت جلوسك مع نفسك اسمح للمشاعر أن تكون حاضره، ثم ابدأ بإدراكها وتأملها بوعي محايد ودون إطلاق أحكام،

Non- judgmental awareness


ثانياً: نحاول أن نعرف أين توجد هذه المشاعر. هل هي أفكار وذكريات في ذهننا؟ كيف نحس بها في جسمنا؟ كيف نشعر؟ هل هو ضيق في الصدر؟ أو حيرة في التفكير؟ أو ربما ألم في المعدة!!

نسأل أنفسنا "هل هذا الشعور، موجود دائما؟ أو هو يمر الآن فقط؟


ثالثا: لكل نوع من المشاعر مدة معينة. بعضها يمكن أن يكون لدقائق، وأحيانا لساعات، أو لأيام. علينا أن نتأكد أن المشاعر والآلام تتغير وتتحول وتختفي وتأتي غيرها. وإذا تذكرنا آلامنا منذ الطفولة سنجد أننا مررنا بكل الأنواع وذهبت، ثم عادت غيرها.


رابعاً: من خلال تقبل فكرة ”أن هذه المشاعر ستمر مثلما مرت غيرها" نحن نبدأ بتقليل تأثيرها علينا وتحويل ذهننا إلى معالجتها.

علينا أن نتذكر أبيات الرومي. هذه المشاعر كالضيف. الضيف يأتي، ولكنه يذهب أيضاً. بهذه الطريقة نتعامل مع العواطف والمشاعر، بنوع من الشجاعة والتفاؤل، وبثقة وإدراك أننا قادرين على تجاوزها.

17 مشاهدة
  • Grey Facebook Icon
  • Twitter - Grey Circle
  • YouTube - Grey Circle
  • Instagram - Grey Circle

 All Rights Reserved - Khalid Albudoor جميع الحقوق محفوظة - خالد البدور